في دير علا بالبلقاء، لا تتوقف حكاية عشيرة الغراغير عند رقم يقدر بنحو 100 شخص من ذوي الاعاقة البصرية، بل تمتد الى قصة عائلية توارثتها اجيال، ودفعت ابناءها الى خوض تجارب مختلفة في التعليم والعمل والامامة والشعر والحرف والتقنية والرياضة.
وتشير روايات ابناء العشيرة الى ان عدد المكفوفين وذوي الاعاقة البصرية فيها تجاوز في فترات سابقة 150 شخصا، قبل ان يتغير العدد بفعل الوفيات والمواليد الجدد، فيما تختلف درجات الاعاقة بين ضعف البصر وفقدانه بشكل كامل.
وتبرز بين افراد العشيرة قصص لافتة، من اب كفيف عاد الى الدراسة بعد اكثر من 30 عاما، الى رجل يصلح الكهرباء والسباكة في منزله، وسيدة كفيفة تمارس الخياطة بالابرة والخيط، وشاب يدرس الارشاد النفسي ويمنتج الفيديو، واخر ينافس المبصرين في كرة القدم على جهاز بلايستيشن بالاعتماد على السمع.

حكاية بدأت منذ عقود.. وفحوصات تبحث عن السبب
يقول رئيس جمعية الرؤى للمكفوفين والمعلم في وزارة التربية والتعليم الدكتور منور الغراغير، بحسب ما نقلته الجزيرة نت، ان الاعاقة البصرية في عائلته قديمة وتوارثتها الاجيال، مشيرا الى ان دراسة وفحوصات جينية بدأت عام 1993 بالتعاون مع جهات طبية واكاديمية اردنية، بهدف البحث في اسباب الحالة.
وبحسب ما يرويه منور عن نتائج تلك الفحوصات، ارتبطت الحالة بالجين رقم 18، مع زيادة احتمالات ظهور الاعاقة كلما ارتفعت درجة القرابة بين الزوجين من ابناء العائلة، فيما تصل حالات الاعاقة البصرية في بعض الاسر الى خمسة اشخاص.
ومنور نفسه ينتمي الى اسرة تضم خمسة ابناء مكفوفين رغم ان والديه مبصران، ويتذكر والدته وهي تحاول مشاركة ابنائها تجربتهم، حتى انها كانت تطفئ الانوار ليلا وتقول انها تريد ان ترى الدنيا كما يراها ابناؤها.
اما والده، فاختار طريقا مختلفا عن الشفقة، واصر على تعليم ابنائه وارسالهم الى مدارس خاصة في عمان، رغم نصائح تلقاها بابقائهم بالقرب من الاسرة، وكان هدفه ان يعتمد ابناؤه على انفسهم ويثبتوا قدرتهم على بناء حياتهم.
وتظهر هذه الفكرة بوضوح في تجارب ابناء الغراغير، ومن بينهم ربيع، الذي يعمل اماما وخطيبا الى جانب اهتمامه بتعلم المهن والاعتماد على نفسه في اعمال الصيانة المنزلية.
ويقول ربيع انه يستطيع التعامل مع اعطال المياه والحنفيات، كما يتعامل مع بعض اعمال الكهرباء، بما في ذلك المقابس وبعض التمديدات وتركيب مروحة سقفية، كما يساعد اصدقاءه في تركيب غرف النوم والستائر والتعامل مع اجهزة الصوت وصيانتها وبرمجتها.
وفي تجربة اخرى، تعلمت سمر الغراغير، وهي عضو في جمعية الرؤى للمكفوفين، الخياطة باستخدام الابرة والخيط، وتقول انها تستطيع ادخال الخيط في الابرة بسرعة رغم فقدانها البصر.
وتعيش سمر في اسرة تضم شقيقا وشقيقة مكفوفين منذ الولادة، لكنها تتحدث عن حياتها من زاوية النشاط والعمل والاستقلالية، مشيرة الى حبها للتواصل الاجتماعي وترتيب المنزل وتنسيق ملابسها ومساعدة الاخرين.

من مقاعد الدراسة الى المونتاج وكرة القدم
من بين القصص اللافتة ايضا قصة فادي الغراغير، الذي انقطع عن الدراسة عام 1991، قبل ان يعود الى مقاعد الدراسة بعد اكثر من ثلاثة عقود ويحصل على شهادة الثانوية العامة بمعدل 71، الى جانب حصوله على المستوى الثاني في احكام التجويد من جمعية المحافظة على القران الكريم.
ويعمل فادي اماما في المساجد منذ نحو 22 عاما، في تجربة تعكس المسار الذي اختاره عدد من ابناء العشيرة في التعليم والعمل وخدمة المجتمع.
كما يعمل الشاعر والموظف في مركز البحوث الزراعية عادل جميل سالم الغراغير، وهو واحد من خمسة اشخاص من ذوي الاعاقة البصرية في اسرته، بينهم شقيقه منور وثلاث شقيقات.
وعادل متزوج واب لطفلين مبصرين، ويربط ذلك بزواجه من امراة من خارج العائلة، في ظل الحديث عن زيادة الوعي داخل الاجيال الجديدة بقضية زواج الاقارب وعلاقتها بالحالة الوراثية التي تعيشها العشيرة.
وفي الجيل الجديد، يبرز عمر الغراغير، الشاب الذي يدرس الارشاد النفسي ويهتم بالبرمجة والتقنية ومونتاج الفيديو، ويعيش في اسرة من اربعة اشخاص، ثلاثة منهم مكفوفون.
ويقول عمر ان نظرته الى الاعاقة تغيرت مع مرور الوقت، بعدما شاهد اقاربه واصدقاءه يدرسون ويعملون ويمارسون حياتهم بصورة طبيعية، ليصبح اليوم مهتما بالمونتاج والمجالات التقنية ومساعدة شبان اخرين في اعمال الفيديو، الى جانب تجربة محدودة في صناعة المحتوى عبر يوتيوب.
اما عبد الكريم الغراغير، البالغ 24 عاما، فهو الكفيف الوحيد في اسرته، وقد ارتبط شغفه منذ طفولته بكرة القدم، قبل ان يجد طريقة مختلفة لممارسة اللعبة عبر جهاز بلايستيشن.
ويعتمد عبد الكريم، الكفيف كليا، على السمع وصوت المعلق في فهم مجريات المباريات داخل اللعبة، ويقول انه مارسها لسنوات حتى اكتسب خبرة مكنته من منافسة اشخاص مبصرين والفوز عليهم في بعض الاحيان.
ولا تتوقف قصة الغراغير عند التجارب الفردية، اذ يقول منور انه بدأ عام 2001 العمل على تأسيس جمعية للمكفوفين، قبل ان ترى جمعية الرؤى للمكفوفين النور عام 2005.
وفي عام 2012، خاض عدد من شباب الجمعية، بينهم اشخاص من ذوي الاعاقة البصرية، تجربة انشاء اذاعة مجتمعية عبر الانترنت، قبل ان تتطور الفكرة وتستمر عبر الشبكة لعدم توفر تردد اذاعي، بحسب منور.
وتوقفت الاذاعة حاليا بسبب مشكلات في البنية التحتية لمقر الجمعية، فيما لا تزال اجهزتها موجودة، ويؤكد منور وزملاؤه تمسكهم باعادة بثها عند معالجة تلك المشكلات، لتبقى حكاية الغراغير في دير علا قصة تتجاوز فقدان البصر الى التعليم والعمل والاستقلالية ومحاولة صناعة مساحة خاصة لذوي الاعاقة البصرية داخل المجتمع.

