في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز السيادة الرقمية، تسعى أوروبا جاهدة لبناء انترنت خاص بها، وذلك في أعقاب تجربة مريرة مع العقوبات الأمريكية التي طالت المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.
فقد وجد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان نفسه في موقف لا يحسد عليه عندما اكتشف في مايو/ايار الماضي أن بريده الالكتروني قد اختفى بالكامل من حاسوبه، ولم يكن هذا الاختفاء نتيجة اختراق أو عطل فني، بل كان نتيجة مباشرة لعقوبات أمريكية حولت شركة مايكروسوفت من مزود خدمة إلى أداة ضغط سياسي.
وفي تلك اللحظة، أدركت أوروبا بمؤسساتها كافة أن السيادة الرقمية لم تعد مجرد ترف فكري، بل أصبحت حالة طوارئ تشغيلية تتطلب حماية وسيطرة كاملة.
التحول الرقمي في اوروبا
ورصد برنامج "حياة ذكية" هذا التحول غير المسبوق في المشهد التقني الأوروبي، والذي انطلقت شرارته عندما أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، وجاء الرد الأمريكي سريعا بأمر تنفيذي أسقط حساب المدعي العام على مايكروسوفت وقطع وصوله إلى ملفات قضايا حساسة.
وتصرفت المحكمة بحزم، فتخلت عن حزمة "مايكروسوفت أوفيس" كاملة وانتقلت إلى منصة "أوبن ديسك" الأوروبية مفتوحة المصدر.
واشعلت هذه الحادثة ثورة أوروبية أشمل، فتخلى الجيش النمساوي بالكامل عن خدمات "مايكروسوفت"، واستبدلت مدينة ليون الفرنسية أدواتها بأنظمة مفتوحة المصدر، في حين نقلت الحكومة الفرنسية 5 ملايين و700 ألف موظف حكومي إلى منصة "فيزيو" الحكومية بديلا عن "زووم".
الذكاء الاصطناعي في قلب المنافسة
وعلى جبهة الذكاء الاصطناعي، تقدمت شركة "ميسترال ايه اي" الفرنسية كرأس حربة أوروبية، واطلقت الشركة تطبيق "لو شات" للهواتف، وخرج الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على التلفاز الوطني يحث المواطنين على تحميله بدلا من "شات جي بي تي"، ليتجاوز التطبيق مليون تحميل في أسبوعين فقط.
وبحلول سبتمبر الماضي، جمعت "ميسترال" مليارا و700 مليون يورو عند تقييم بلغ 11.7 مليار يورو، ثم أعلنت استثمار 1.2 مليار يورو في مراكز بيانات سويدية تفتح عام 2027.
وفي إطار التحالف الأوسع، أسست فرنسا وألمانيا وايطاليا وهولندا كيانا قانونيا غير مسبوق أطلق في لاهاي تحت اسم "تحالف البنية التحتية الرقمية الأوروبية للمشاعات الرقمية"، ويملك الكيان شخصية قانونية مستقلة وصلاحية إبرام عقود وامتلاك ملكية فكرية.
تحديات وفرص امام اوروبا
ومن جهة أخرى، امتدت الثورة إلى الساحات الاجتماعية، إذ أطلقت المفوضية الأوروبية خادمها الرسمي على شبكة "ماستودون" اللامركزية، الخالية من "خوارزميات الاستفزاز" ومن بيع البيانات للمعلنين.
وتعمل بروتوكولات مفتوحة تجمع تحتها منصات تنافس "اكس" و"انستغرام" و"يوتيوب" و"واتساب".
وتبقى التحديات جسيمة، إذ لا تزال أكثر من 70% من التقنيات الرقمية المستخدمة في أوروبا مستوردة، وتستحوذ أمريكا على 80% من القيمة السوقية التقنية العالمية مقابل 4% لأوروبا.
ورغم تقييم "ميسترال" الذي تصفه بعض التقارير بالمبهر، فإنها تظل قزما أمام عمالقة لديهم ميزانيات تشغيل تفوق اقتصادات دول بأكملها.
غير أن ما تبنيه أوروبا ليس نسخة من وادي السيلكون، بل معمارية مختلفة جوهريا: اتحادية لا مركزية، مفتوحة المصدر لا مغلقة، مبنية على المعايير لا على الاحتكار، وتبقى المعركة الحقيقية ليست في استبدال تطبيق بتطبيق، بل في بناء بنية تحتية لا يملك أحد مفتاح إغلاقها.
