الشيك هو وثيقة مالية معترف بها في التشريعات التجارية، صالحة لتحويل مبلغ مالي محدد من حساب صاحب الشيك الى مستفيد معين، ويُعد لسنة طويلة من الوسائل المتداولة في المعاملات التجارية في الاردن، مع تداول سنوي قيمته عشرات مليارات الدنانير في السوق. ومع ذلك واجه النظام السابق تحديات كبيرة بسبب الشيكات الصادرة بدون رصيد كافية، ما رفع عدد القضايا المتعلقة بالشيكات واصدار دفاتر شيكات من دون تغطية مالية.

القانون السابق: الشيكات بدون رصيد والعقوبات الجزائية

قبل دخول التعديلات الحديثة حيز التنفيذ، كان اصدار شيك بدون رصيد كافٍ يعد جريمة جزائية بموجب المادة 421 من قانون العقوبات الاردني، يعاقب عليها الحبس لفترة تصل الى سنة وغرامة، ولا يجوز للمحكمة تخفيض العقوبة دون حد ادنى محدد، كما لا يمكن استبدال الحبس بالغرامة في هذه الحالات.

بالاضافة الى ذلك، كانت الاجراءات المتعلقة بالمديونية المدنية تقود في بعض الحالات الى حبس المدين عند عجزه عن سداد ديون كهذه، خاصة إذا كان الدين كبيرا او في ظل قوانين دفاع خاصة صدرت خلال ازمات سابقة، ما ادى الى مئات آلاف القضايا التنفيذية.

التعديل التشريعي: الانتقال من العقوبة الجزائية الى آليات تنفيذ مدنية

في مطلع 2022 و2025 تم اقرار وتعديل مجموعة قوانين اساسية، ابرزها قانون التنفيذ الاردني وقانون العقوبات، بهدف معالجة قضية حبس المدين في القضايا المدنية ومنها الشيكات بدون رصيد.

الغاء العقوبة الجزائية على الشيكات بدون رصيد

وقع تعديل في قانون العقوبات يجعل تحرير الشيك بدون رصيد لا يعد جريمة جزائية، بل يظل التزاما مدنيا يمكن الدائن المطالبة به امام دوائر التنفيذ والسلطات القضائية، بحيث لن يعاقب الساحب بالحبس عن هذا الفعل بعد تاريخ 25 حزيران 2025.

منع حبس المدين عن الالتزامات التعاقدية

بدأ تطبيق نصوص منع حبس المدين عن الديون المدنية، بما في ذلك ديون الشيكات، اعتبارا من منتصف 2025، باستثناء ديون محددة مثل عقود الايجار وعقود العمل وغيرها بحسب الامتيازات التشريعية.

والهدف من التعديل هو وقف اعتبار الشيك اداة اقتراض وتشجيعه كوسيلة وفاء فوري للدين فقط، وانه دفع الى تطوير ادوات الدفع والتحصيل الرقمي وادخال نظام معلومات ائتمانية يساعد البنوك والمؤسسات في تقييم الملاءة المالية للمستفيدين قبل منح تسهيلات او قبول شيكات.

البدائل القانونية بعد الغاء الحبس

مع الغاء الحبس في الشيكات والديون المدينية، تبقى للدائنين عدة ادوات مدنية لتحصيل حقوقهم:

الحجز التنفيذي على مال المدين واصول ملكيته حتى يتم بيعها لسداد الدين.

منع السفر للمدين حتى يتم تسوية الالتزامات بحسب الاجراءات المدنية.

طلب تنفيذ الحكم المدني عبر قنوات التنفيذ دون اللجوء الى العقوبة الجنائية.

ردود الفعل القانونية والاقتصادية والاجتماعية

مجتمع القانونيين والاقتصاديين واجه التعديل بردود فعل متفاوتة:

ترحيب من الحقوقيين والمختصين القانونيين لانها تحقق حماية شخصية المدين وتنسجم مع مبادئ حقوق الانسان التي تمنع حبس المدين في القضايا المدنية.

قلق من بعض التجار والقطاع الخاص من ضعف ردع الشيكات واثاره على مناخ الاعمال والثقة التجارية، خاصة بالنسبة للصغار الذين يعتمدون على الشيكات كضمان في المعاملات.

بالاضافة الى ذلك، ظهرت مادة اعلامية تشير الى اطلاق خدمات الكترونية للاستعلام عن الملاءة المالية قبل قبول اي شيك، مما يساعد على تحصين الحقوق رغم الغاء العقوبة الجزائية.

الاستثناءات التي بقيت سارية في التشريع

على الرغم من اجراءات الغاء الحبس، يظل هناك استثناءات لبعض الحالات في قانون التنفيذ الجديد، مثل:

عقود الايجار

عقود العمل

بعض الديون الاسثنائية بحسب نصوص قانون التنفيذ المعدل

وهذه استثناءات تضيف توازنا بين حماية المدين وحق الدائن في بعض الحالات الخاصة.

قانون التنفيذ الاردني المعدل (خصوص حبس المدين)

صدر قانون التنفيذ الاردني رقم (9) لسنة 2022 بتعديلات هامة تهدف الى اعادة تنظيم حالات حبس المدين وتنفيذ الديون، وكانت احدى اهم التعديلات المتعلقة بـ حظر حبس المدين عن الديون التعاقدية دخلت حيز التنفيذ رسميا في 25 حزيران 2025 بعد مهلة تنفيذ ثلاث سنوات من تاريخ اقرار القانون.

ينص التعديل الجديد في المادة (22) من قانون التنفيذ الاردني على ما يلي: لا يجوز حبس المدين اذا عجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي ما لم يكن الالتزام يتعلق بعقود ايجار العقار أو عقود العمل.


وهذا يعني اسقاط اجراء الحبس عن المدين في معظم الديون الناشئة عن التزامات تعاقدية بين اطراف، مثل ديون الشيكات والكمبيالات والاقتراض التجاري.

الاستثناءات الصريحة للقانون

رغم الحظر العام لحبس المدين في الالتزامات المدنية، هناك استثناءات محددة تنطبق حسب نص القانون المعدل:

الالتزامات العقارية الناشئة عن عقود الايجار، حيث يجوز حبس المدين اذا لم يدفع مستحقات الايجار.

الالتزامات الناشئة عن عقود العمل، مثل حقوق الموظفين والاجور، يجوز حبس المدين عند عدم الوفاء بها.

الديون غير الناشئة عن التزامات تعاقدية واقعة خارج العقود المدنية والتي يحددها القانون مثل تعويضات الضرر، مطالبات مالية لصالح الخزينة العامة للدولة عندما تتجاوز قيمة معينة تُحدد في التشريع، وأحكام قضائية في قضايا جزائية تتضمن حق شخصي يتجاوز حد معين (مثلا اكثر من 5000 دينار).

الديون المستبعدة من الاحكام التي تمنع الحبس

النص المعدل يستبعد تطبيق الحظر في بعض اشكال المطالبات التنفيذية مثل:

ديون التعويض الناتجة عن فعل مسبب للضرر سواء إساءة او حادث تسبب بخسائر مالية او معنوية.

المطالبات المقدمة نيابة عن خزينة الدولة والتي يكون دينها مبني على نص قانوني وليس عقد مدني، عند تجاوزها مبلغا محددا قانونيا (مثلا 5000 دينار).

احكام قضائية في دعاوى جزائية تتضمن حق مدني للمطالبة بالتعويض عند تجاوزها حد القيمة.

الغاء الحبس كعقوبة تلقائية في معظم القضايا المدنية

مع سريان النص المعدل، لا يُعد حبس المدين وسيلة تلقائية او قصوى في القضايا الناشئة عن الالتزامات التعاقدية، مثل:

ديون الشيكات والكمبيالات.

ديون الموردين والبضاعة المتفق عليها في العقود التجارية.

ديون القروض الشخصية بين اشخاص او كيانات تجارية. 

وبالتالي، اذا كان الدين ناتجا عن علاقة تعاقدية بحتة ولم يكن ضمن الاستثناءات، فلا يجوز للقضاء او التنفيذ توقيع الحبس كاجراء.

التعديل جاء في سياق الانسجام مع الالتزامات الدولية لحماية حقوق الانسان التي تمنع حبس المدين لمجرد عدم قدرته على الوفاء بالتزام تعاقدي، كما نصت عليه اتفاقيات دولية ذات صلة بحقوق المدنية.

بدائل الحبس مع التنفيذ

بموجب القانون المعدل، يمكن للدائن اتباع وسائل تنفيذ مدنية بديلة لضمان تحصيل حقه، ومنها:

الحجز التنفيذي على اموال المدين وممتلكاته وبيعها لدفع الدين.

طلب منع السفر على المدين حتى يتم تنفيذ الدين او تسوية الالتزام المالي.

طلب تنفيذ احكام وتدابير اخرى للضمان المدني دون اللجوء للحرمان من الحرية.

ومنذ دخول هذا التعديل في حزيران 2025، اصدرت المحاكم والدوائر التنفيذية اجراءات تلقائية لالغاء حبس المدين في العديد من الحالات، ما ادى الى الافراج عن المسجونين بسبب الديون المدنية، وتم اتخاذ اجراءات جديدة للتعامل المدني مع المديونية.

ويرى بعض الخبراء ان القانون بحاجة الى ضمانات اضافية لضمان حقوق الدائنين خصوصا في حالات صغار التجار والمدينين الذي لا يمتلكون اصولا للحجز، مما قد يضعف احتمالات تحصيل الحقوق عبر الوسائل المدنية فقط دون الحبس، خاصة في غياب ضمانات تمويلية اخرى.

خلاصة النصوص المعدلة

ينص القانون على منع حبس المدين عن الالتزامات التعاقدية ما لم تكن ضمن الاستثناءات.

يستثنى من الحظر ديون الايجار وعقود العمل.

تبقى بعض المطالبات خارج نطاق الحظر، مثل التعويضات والديون التي تنشأ من احكام قانونية.

يوفر القانون بدائل تنفيذ مدنية لضمان تحصيل الديون دون اللجوء الى الحبس.

التعديلات الحديثة في التشريعات الاردنية مثل قانون التنفيذ القانوني وقانون العقوبات تمثل تحولا جذريا في التعامل مع الشيكات وقضايا حبس المدين، بحيث تحولت الشيكات بدون رصيد من جريمة جنائية الى التزام مدني، وتوقف حبس المدين عن الديون المدنية، مع ابقاء ادوات تنفيذ مدنية لضمان حقوق الدائنين.