انهى المجلس الاقتصادي والاجتماعي الاردني سلسلة الحوارات الوطنية الموسعة حول الدراسة الاكتوارية لمؤسسة الضمان الاجتماعي، في خطوة تمهيدية لصياغة توصيات علمية سترفع الى الحكومة، بهدف تعزيز الاستدامة المالية للصندوق وحماية حقوق المشتركين وضمان استقرار اجيال المستقبل.
وقال رئيس المجلس الدكتور موسى شتيوي ان جوهر التوصيات يتمحور حول تاخير نقطة التعادل الاولى التي تتساوى فيها الايرادات مع النفقات، لمدة قد تصل الى عشر سنوات اضافية، بما يسمح بالحفاظ على اصول الصندوق المقدرة بنحو 18 مليار دينار، وتجنب استنزافها او الضغط المبكر على ميزانيته.
واكد شتيوي ان الوصول الى هذا الهدف يتطلب قرارات مدروسة تستند الى ارقام ومعطيات واقعية، وليس حلول قصيرة المدى، مشيرا الى ان تاخير نقطة التعادل يمنح النظام التاميني مساحة زمنية لاعادة التوازن بين الاشتراكات والنفقات التقاعدية.
حوار وطني بلا مجاملات ولا شعبويات
وبين شتيوي ان الحوارات الوطنية شملت جميع اطراف العلاقة الانتاجية والاجتماعية، من احزاب سياسية ونقابات عمالية وغرف صناعة وتجارة ومنظمات مجتمع مدني، اضافة الى الكتل البرلمانية وخبراء اكاديميين متخصصين في الشانين المالي والاجتماعي.
واوضح ان النقاشات جرت بمستوى عال من المسؤولية والصراحة، بعيدا عن المجاملات او الخطاب الشعبوي، مؤكدا ان هذا النهج يسهم في تحويل التشريع من قرارات انفعالية او منحازة، الى سياسات توافقية مبنية على بيانات علمية دقيقة ودراسات معمقة.
ونوه الى ان التوصيات تعتمد بشكل اساسي على الدراسات الاكتوارية التي تشرف عليها جهات دولية متخصصة، من بينها منظمة العمل الدولية، لتحديد المركز المالي المستقبلي للصندوق ونقاط التعادل استنادا الى مؤشرات ديموغرافية واحصائية موثوقة.
خمس كتل تمثل المجتمع بالكامل
وتتجسد شمولية الحوار في تركيبة الهيئة العامة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، التي تضم خمس مجموعات رئيسية تمثل مختلف مكونات المجتمع، وتشمل المؤسسات الحكومية ذات العلاقة، والنقابات العمالية، واصحاب العمل وغرف الصناعة والتجارة، ومنظمات المجتمع المدني، الى جانب الاكاديميين والشباب الرواد.
واكد المجلس ان هذا التنوع يهدف الى تحقيق توازن حقيقي في المصالح، وتجنب الصدمات المجتمعية او ردود الفعل السلبية التي قد ترافق صدور تشريعات تمس شريحة واسعة من المواطنين.
وشدد على ان الحوار الوطني يشكل صمام امان يمنع انفراد اي جهة باتخاذ القرار، ويتيح للحكومة خيارات متعددة مبنية على تقييم شامل للاثر الاقتصادي والاجتماعي قبل اقرار اي تعديل تشريعي.
دراسة الاثر قبل التشريع لا بعده
واوضح شتيوي ان المنهجية التي اعتمدها المجلس تقوم على دراسة الاثر القبلي للتشريعات، اي تقييم نتائج اي تعديل قبل تطبيقه فعليا، بهدف تحديد التحديات المالية والاجتماعية بدقة، وفي مقدمتها ملف التقاعد المبكر.
وبين ان هذه المنهجية تسهم في ضمان الاستدامة المالية عبر ترحيل نقاط التعادل، وحماية الحقوق المكتسبة للمشتركين الحاليين، وعدم تحميلهم اعباء مفاجئة او غير محسوبة.
واكد ان الهدف النهائي يتمثل في ترسيخ دور المؤسسات الاستشارية الوطنية كجهات موثوقة ومحايدة، تقدم حلولا متوازنة تخدم الدولة وتحافظ في الوقت نفسه على العدالة الاجتماعية.
عام 2030 نقطة تحول مفصلية
وكشفت الدراسات الاكتوارية ان نقطة التعادل الاولى مرشحة للتحقق في عام 2030، وهو ما يعني ان الايرادات التامينية ستتساوى مع النفقات التقاعدية، ليصبح الصندوق معتمدا بشكل متزايد على عوائد الاستثمار لتغطية الالتزامات.
وتركز المقترحات المطروحة على تاخير هذه النقطة لعشر سنوات اضافية، لتجنب تسييل اصول الصندوق، والحفاظ على استقراره المالي، وضمان قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه الاجيال القادمة.
وحذر خبراء من ان تجاهل هذه المؤشرات قد يضع النظام التاميني امام تحديات معقدة خلال العقد المقبل، في حال لم تتخذ اصلاحات مدروسة في الوقت المناسب.
التقاعد المبكر الخطر الصامت
ويعد التقاعد المبكر احد ابرز التحديات التي تهدد استدامة صندوق الضمان، لا سيما في ظل التحولات الديموغرافية المتسارعة، حيث ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة من 62 عاما في عام 1990 الى نحو 75 عاما حاليا.
وتشير البيانات الى ان المتقاعدين مبكرا يشكلون نحو 64 بالمئة من اجمالي المتقاعدين، ويستحوذون على ما يقارب 61 بالمئة من فاتورة الرواتب التقاعدية، وهو ما يفاقم الضغط المالي على الصندوق.
ويرى المجلس ان الحل لا يكمن في الغاء التقاعد المبكر بشكل كامل، بل في ضبطه تدريجيا عبر مرحلة انتقالية مدروسة، تتيح للمشتركين التكيف مع القواعد الجديدة دون المساس بحقوقهم المكتسبة.
حماية الحقوق وسد الثغرات
وشددت التوصيات على ضرورة حماية الحقوق المكتسبة للمشتركين الحاليين، ومعالجة الثغرات القانونية في انظمة التقاعد المبكر والمهن الخطرة والعجز، لضمان وصول الدعم لمستحقيه ومنع الهدر المالي.
واكد شتيوي ان اي تعديل جوهري على نظام الضمان يجب ان يسبقه تقييم اكتواري دقيق، يحدد اثره المالي الحقيقي على المديين المتوسط والطويل، مع اعادة النظر في قاعدة الثلاثين عاما كخطوة لتخفيف الضغط عن الصندوق.
كما ابرز الحوار اهمية تعزيز استقلالية مؤسسة الضمان الاجتماعي في ادارة اموال المشتركين، مع دور استشاري فاعل للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في ترشيد السياسات العامة.
الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة تحسم الارقام
وكانت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي قد اعلنت في 13 كانون الاول 2025 نتائج دراستها الاكتوارية الحادية عشرة، التي تجرى كل ثلاث سنوات وفقا لقانون الضمان، بهدف تقييم الوضع المالي وضمان الاستدامة التامينية على المدى الطويل.
واظهرت النتائج ان صناديق التامينات تتمتع بوضع مالي جيد ومستدام، خاصة تامينات اصابات العمل والامومة والتعطل عن العمل، مع قدرة عالية على الوفاء بالالتزامات اعتمادا على الايرادات التامينية والعوائد الاستثمارية.
وبينت الدراسة ان نقطة التعادل الثانية قد تتحقق في عام 2038 في حال لم تتحسن العوائد الاستثمارية، ما يستدعي استمرار الاصلاحات التشريعية وتوسيع مظلة الشمول للحد من التهرب التاميني الذي يشمل نحو 22.8 بالمئة من العاملين.
واكدت المؤسسة ان معالجة التقاعد المبكر ضرورة وطنية، وان توسيع الشمول وتحقيق العدالة التامينية يمثلان حجر الاساس لضمان نظام مالي متوازن، يحمي حقوق المؤمن عليهم، ويصون مستقبل الاجيال القادمة.
