الدكتور محمد حسان الذنيبات

لا شك أننا نتفاعل بقوة مع الأخبار الواردة عن الجرائم المرتبطة بالمخدرات، لما فيها من فظاعة ودموية، ولأنها تلامس خوفاً عميقاً في داخلنا. وما أخشاه أن يبقى هذا التفاعل لحظياً، دون أن يتحول إلى مناعة حقيقية أو وقاية داخل بيوتنا.

ورغم أنني لست متخصصاً في هذا المجال، إلا أن القراءة والاستماع للخبراء والمتخصصين دفعتني لكتابة هذه السطور، مع الحرص على ما وجدته قد ثبت بالدراسات ويتفق عليه أهل الاختصاص.

و لأصدقكم القول، أن الدافع الحقيقي حين هزتني كثيراً أخطر مقولة في هذا السياق كله لأحد هؤلاء الخبراء في هذا المجال و هو يصف الخطأ الشائع لدى الكثير من الأهالي بالاعتقاد أن المخدرات مشكلة “بعيدة” أو مرتبطة بأطفال غير أطفالهم ! بينما تقول الدراسات أن أغلب حالات التعاطي تبدأ في سن المراهقة المبكرة وهم تحت وصاية آبائهم و أمهاتهم، وغالباً بدافع الفضول، أو ضغط الأصدقاء، أو الهروب من مشاعر لم يُحسن الطفل التعبير عنها.

وعليه فهذه ١٠ نقاط يمكنها أن تكون بداية انصح كل أب أن يجلس مع زوجته وكل أم أن تجلس مع زوجها لمناقشتها واحدة واحدة بشعور عال من المسؤولية !!

١- احتضان العائلة للأطفال أهم شبكة أمان والعديد من الدراسات النفسية تؤكد أن أقوى عامل وقاية هو وجود هذه العلاقة الآمنة مع الأهل. وبالتأكيد أن مثل هذه العلاقة لا تأتي فجأة و تحتاج صبر ولكن الطفل الذي يشعر أنه مسموع وغير مُدان أقل عرضة لتجربة هذه السموم. والتخويف وحده لا يحمي، بل الحوار الصادق المبكر هو الأساس هنا.

٢- التوعية دون تخويف تعتبر ركناً أساسياً في هذه الشبكة فالأطفال والمراهقون يحتاجون معلومات واقعية بأن المخدرات لا “تُجرب مرة” دون أثر طويل الأمد و أن يفهموا أن بعض هذه المواد تُسبب الإدمان من أول مرات قليلة و أن التأثير على الدماغ في سن النمو أخطر وأطول أمداً. وهنا تبدو لي المعلومة الواضحة أقوى من القصص المرعبة التي تأخذ الحيز الأكبر في وعينا كأهالي.

٣- يمكننا تمليك أطفالنا سلاحاً و درعاً قوياً و هو قدرتهم على قول "لا". فبعض الدراسات اللطيفة اظهرت أن الأطفال الذين يتدرّبون على قول “لا” بوضوح، وبجمل بسيطة، يكونون أقل عرضة للتعاطي (لا أريد، لا يناسبني، هذا خطير، لن أشارك وغيرها من العبارات المهمة التي لا تأتي في محاضرة و لكن في مناسبات يومية يمكننا تصنعها أحياناً).

٤- إن أكبر أثم يرتكبه الأهالي أن لا يلاحظوا التغيرات الصغيرة و خصوصا اذا تكررت وخصوصاً العلامات المبكرة مثل (تغيّر مفاجئ في السلوك، ظهور أصدقاء جدد، انعزال أو عصبية غير معتادة، تراجع دراسي أو اضطراب نوم، محاولة الحصول على مصاري بطرق ملتوية) وهذه كلها تحتاج تدقيق و تفحص. و القاعدة التربوية هنا أن الإفراط في المراقبة يولّد تمرّداً بينما الإهمال يولّد فراغاً و المتابعة الذكية هي التي نريدها.

٥- الاهتمام بالصحة النفسية للأطفال و خصوصاً علامات (الاكتئاب، القلق، ضعف تقدير الذات، والشعور بعدم الانتماء) فهذه أهم بوابات التعاطي و الهروب إلى أماكن و أصدقاء السوء.

٦- سلوك الأهل في البيت عامل حاسم و التعبير عن رفض العادات السيئة و المحرمة (تعاطي الكحول، التطبيع مع المواد الشبيهة) أمر ضروري كما التحرج في التدخين أمام البقية لمن ابتلي به له تأثير أكثر من الكلام.

٧- الفراغ الطويل غير المنظم عامل خطر مثبت و لذلك الأهالي الذين يملئون أوقات أطفالهم بصورة جيدة من خلال الرياضة (فنون قتال، كرة قدم، شطرنج) أو الفن، أو العمل التطوعي يرفعون أسواراً تحمي أبنائهم و خصوصاً اذا كانوا متابعين للبيئات هناك.

٨- للأسف أن جزءاً كبيراً من التعرّض للمخدرات يبدأ عبر السوشيال ميديا و الألعاب الإلكتروني أو منصات التحديات ولذلك المعرفة بهذه البيئات أمر ضروري للآباء و الأمهات دون مبالغة في الشك و لا مبالغة في الثقة.

٩- بعض الأطفال لا يبدأون بمخدرات “معروفة” بل بـ (أدوية مهدئة، مسكنات قوية، مواد تُسوّق كآمنة) و في الوقت المعاصر أحياناً قد تروج عبر الشبكة مواد صوتية أو بصرية (ضوضاء) و لها تأثير نفسي و عصبي و قد تكون مدخل للإدمان.

١٠- حين نرسل أبنائنا إلى المساجد و إلى دور حفظ القرآن فنحن نقدم لهم وصفة قوية محكمة و نحقنهم بمطعوم فعال يحميهم من الانجرار لهذه الافات.

أخيرا، كلما كان التدخل مبكراً، كانت فرص التعافي أعلى، وأبسط، وأقل كلفة نفسياً واجتماعياً و لذلك التواصل الدوري مع المدرسة و المرشدين، والمعلمين يزيد فرص الاكتشاف المبكر ويقلل الإنكار.